أبي الفرج الأصفهاني
11
الأغاني
فبلغ ذلك خالدا ، فقال : فعلها ! واللَّه لأقتلنّه . ثم اشترى ثلاثين جارية بأغلى ثمن ، وتخيّرهنّ نهاية في حسن الوجوه والكمال والأدب ، فروّاهنّ / الهاشميّات ، ودسّهنّ مع نخّاس إلى هشام بن عبد الملك ، فاشتراهنّ جميعا ، فلما أنس بهنّ استنطقهنّ ، فرأى فصاحة وأدبا ، فاستقرأهنّ القرآن ، فقرأن ، واستنشدهنّ الشعر ، فأنشدنه قصائد الكميت الهاشميّات . فقال : ويلكنّ ! من قائل هذا الشعر ؟ قلن : الكميت بن زيد الأسديّ . قال : وفي أيّ بلد هو ؟ قلن : في العراق ، ثم بالكوفة . فكتب إلى خالد وهو عامله على العراق : ابعث إليّ برأس الكميت بن زيد ، فبعث خالد إلى الكميت في الليل ، فأخذه وأودعه السّجن . ولما كان من الغد أقرأ من حضره من مضر كتاب هشام ، واعتذر إليهم من قتله ، وآذنهم في إنفاذ الأمر فيه في غد ، فقال لأبان بن الوليد البجليّ - وكان صديقا للكميت - : انظر ما ورد في صديقك . فقال : عزّ عليّ واللَّه [ ما ] به ، ثم قام أبان ، فبعث إلى الكميت فأنذره ، فوجّه إلى امرأته . مسلمة بن هشام يجيره ويحتال في خلاصه ثم ذكر الخبر في خروجه ومقامها مكانه ، كما ذكر من تقدّمه . وقال فيه : فأتى مسلمة بن عبد الملك فاستجار به ، فقال : إني أخشى ألَّا ينفعك جواري عنده ، ولكن استجر بابنه مسلمة بن هشام . فقال : كن أنت السفير بيني وبينه في ذلك ، ففعل مسلمة ، وقال لابن أخيه : قد أتيتك بشرف الدّهر ، واعتقاد الصّنيعة في مضر ، وأخبره الخبر ؛ فأجاره مسلمة بن هشام . وبلغ ذلك هشاما فدعا به ، ثم قال : أتجير على أمير المؤمنين بغير أمره ؟ ! فقال : كلَّا ، ولكني انتظرت سكون غضبه . قال : أحضرنيه الساعة ، فإنه لا جوار لك . فقال مسلمة للكميت : يا أبا المستهلّ ، إنّ أمير المؤمنين أمرني بإحضارك . قال : أتسلمني يا أبا شاكر ؟ قال : كلَّا ، ولكني أحتال لك ، ثم قال له : إنّ معاوية بن هشام مات قريبا ، وقد جزع عليه جزعا شديدا ، فإذا كان / من الليل فاضرب رواقك على قبره ، وأنا أبعث إليك بنيه يكونون معك في الرّواق ، فإذا دعا بك تقدّمت إليهم أن يربطوا ثيابهم بثيابك ، ويقولوا : هذا استجار بقبر أبينا ، ونحن أحقّ من أجاره . فأصبح هشام على عادته متطلَّعا من قصره إلى القبر ، فقال : من هذا ؟ فقالوا : لعلَّه مستجير بالقبر ! فقال : يجار من كان إلَّا الكميت ؛ فإنه لا جوار له . فقيل : فإنه الكميت ، قال : يحضر أعنف إحضار . فلما دعي به ربط الصبيان ثيابهم بثيابه . فلما نظر هشام إليهم اغرورقت عيناه واستعبر ، وهم يقولون : يا أمير المؤمنين ، استجار بقبر أبينا ، وقد مات ، ومات حظَّه من الدنيا ، فاجعله هبة له ولنا ، لا تفضحنا فيمن استجار به . فبكى هشام حتى انتحب ، ثم أقبل على الكميت فقال له : يا كميت ، أنت القائل : وإلَّا تقولوا غيرها تتعرّفوا نواصيها تردي بنا وهي شزّب [ 1 ] خطبته بين يدي هشام وإنشاده بعض مدائحه في بني أمية فقال : لا ، واللَّه ، ولا أتان من أتن الحجاز وحشيّة ، فحمد اللَّه وأثنى عليه وصلَّى على نبيّه ، ثم قال : أمّا بعد فإنيّ كنت أتدهدى [ 2 ] في غمرة ، وأعوم في بحر غواية ، أخنى عليّ خطلها ، واستفزّني وهلها [ 3 ] ؛ فتحيّرت في
--> [ 1 ] ردى يردى ، إذا رجم الأرض رجما بين العدو والمشي الشديد . والشازب : الذي فيه ضمور ، وجمعه شزّب . [ 2 ] أتدهدى : أتقلَّب وأتلوى . [ 3 ] الوهل : الفزع .